غدر الشيعة بأهل السنة عبر التاريخ (1)
2014-02-26 15:30:10 (2987) قراءة
بقلم / منوع

 

 

 

 



غدر الشيعة بأهل السنة عبر التاريخ (1)

مقدمة
لقد اضطلع الشيعة بالعبء الأكبر من الوضع في الحديث؛ إذ كان الكذب متفشيًا فيهم أكثر من سائر طوائف أهل القبلة، حتى قيل: أكذب من رافضي.
 ومن عوامل الوضع انتحال بعض الكذّابين من الفرس خاصة مذهب التشيع والقيام بالدعوة لبعض آل البيت بغرض الوصول إلى الطعن في الإسلام، والطعن في الصحابة حَمَلة هذا الدين.
 ولولا تصدي جهابذة النقاد وأهل المعرفة بأحوال الإسناد لهؤلاء، وكشف كذبهم في الرواية لكان مصاب الإسلام بهم عظيمًا.
 على أن بداية الفكر الشيعي بمختلف أطيافه كان في القرن الأول الهجري، ثم نشط هذا الفكر في القرن الرابع الهجري وما تلاه، حيث ضم بين صفوفه جماعات مختلفة، يجمعها هدف مشترك هو إفساد العقيدة الإسلامية والغدر بأهل السنة، وتدمير مؤسساتهم العلمية والحكومية.
 وقد أفرز هذا الفكر دولاً مثل العبيديين والصفويين، سامت أهل السنة صنوف الاضطهاد والتنكيل، بفرض البدع عليهم، ومصادرة أموالهم، واستباحة دمائهم. كما قامت حركات القرامطة والحشاشين بغارات وأعمال السلب والنهب وترويع الآمنين وقتل الأبرياء.
 ولم يتورع العبيديون والحشاشون والصفويون من التحالف مع الصليبيين في بلاد الشام، ومع الفرنجة في أوربا لطعن أهل السنة من الخلف، وكان ابن العلقمي وزير المستعصم العباسي عونًا للوثنيين التتار الذين جاءوا لغزو المسلمين في عقر دارهم.
 ولا نبالغ حين نقول بأن الرافضة والباطنية من أخطر الفرق التي ابتليت بها الأمة الإسلامية عبر تاريخها المديد إلى يوم الناس هذا.

 وضع الحديث وترويج الموضوعات على نطاق واسع
مما لاشك فيه أن الغدر الأكبر الذي مارسه الشيعة في تاريخ الإسلام هو وضع الأحاديث المنسوبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 وهذا الفعل لو حقق أهدافه المرجوة لأصاب دين الإسلام في مقتل، إذ سيختلط الحق بالباطل، ولن يستطيع الناس التمييز بين الوحي الرباني وكلام البشر؛ مما سينتج عنه آثار خطيرة مدمرة بالنسبة للتدين.
 ولكن الله تعالى سلَّم، فقيَّض للسنة الشريفة من يحفظها ويبعد عنها غوائل الدس والوضع؛ إذ انبرى جهابذة العلماء من أهل السنة لكشف هؤلاء الوضّاعين، فاتخذت جهودهم لمقاومة الكذب في الحديث جانبين؛ جانبًا نظريًّا: هو تأصيلهم للقواعد الدالة على الكذب، وجانبًا عمليًّا: ببيانهم الأشخاص المتهمين بالكذب وتعريف الناس بهم ليحتاط منهم.
 ويعود الوضع في الحديث إلى أن بعض الفرس انخرطوا في صفوف الشيعة وانتحلوا مذهبهم، وتظاهروا بحب آل البيت، وهم يهدفون بذلك إلى نشر آرائهم الباطلة وبثّ أفكارهم المعادية للإسلام، فاتخذوا آل البيت ستارًا يعملون من خلفه لتحقيق أهدافهم والوصول إلى مآربهم.
 وما الآراء التي نادوا بها إلا دليل على أن دعاة هذه الطائفة انتحلوا الإسلام بقصد هدمه وإفساده. ولما كان من الصعب الجهر بهذه الآراء ابتداءً، فقد ألبسوها ثوب التشيع ودثروها بحب آل البيت وتقوّلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وآل بيته ما لم يقولوا. ومن أمثال هؤلاء: المغيرة بن سعيد، وأبو الخطاب محمد بن أبي زينب، وعبد الكريم بن أبي العوجاء، الذي اعترف حين جيء به إلى محمد بن سليمان بن علي العباسي أمير البصرة ليقتله وأيقن بالموت أنه وضع أربعة آلاف حديث[1].
 ومن ضمن خطط الرافضة تزييف الأخبار وترويج الشائعات الكاذبة التي استهدفت النيل من الإسلام بتشويه سيرة الصحابة رضي الله عنهم؛ إذ إن التشكيك في ثقتهم وعدالتهم هو تشكيك بالتالي في صحة الإسلام وعدم صلاحيته.
 فالصحابة -رضي الله عنهم- لهم قدرهم ومنزلتهم التي لا يوازيهم فيها أحد؛ فقد اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، وبذلوا المهج والأموال في سبيل الله، وهم نَقَلة الإسلام وحَمَلة الشريعة. إذن فالقدح فيهم قدح في الكتاب والسنة، كما قال أبو زرعة الرازي: "إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة"[2].
 وقال الإمام مالك: "هؤلاء -يعني الرافضة ومن على شاكلتهم من الزنادقة- طعنوا في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما طعنوا في أصحابه ليقول القائل: رجل سوء كان له أصحاب سوء، ولو كان رجلاً صالحًا لكان له أصحاب صالحين"[3].
 غدر الدولة العبيدية بأهل السنة
لم تهتم هذه الدولة المعروفة باسم (الدولة الفاطمية) بالتوسع والامتداد خارج الرقعة الإسلامية بتدشين الفتوحات في الأراضي الرومية البيزنطية، وإنما ظلت بالعكس من ذلك تأكل الجسد الإسلامي؛ إذ قامت هذه الدولة في المغرب على يد عبيد الله المهدي، وجاست خلال الديار المسلمة من المغرب إلى الشام، وناوأت الدولة الأموية في الأندلس، وشغلتها عن خوض الحروب ضد الفرنجة في شمال الأندلس، ووراء جبال البرتات (البرانس)، بينما طبعت الهدنة والصلح العلاقات بين العبيديين والدولة البيزنطية.
 وفي هذا السياق يعترف الكاتب الشيعي علي الشمري بأن عدة اتفاقيات للصلح والهدنة تمت بين الدولة العبيدية والبيزنطيين، أوَّلها في عام 377هـ (987م) بين الإمبراطور "بارسيل الثاني" وحاكم العبيديين "العزيز"، وانهارت فأعادها القائد العبيدي "بركوان" الذي عول على مهادنتهم ليتسنى له التفرغ للقضاء على الفتن الداخلية في مصر. وبعد مراسلات سلمية بين قادة الدولتين استؤنفت المفاوضات، وتم الاتفاق على شروط الصلح وإبرام معاهدة صداقة بين مصر العبيدية والدولة البيزنطية. ثم تلاها في عصر "الظاهر" اتفاقية تتضمن أن لا يقوم العبيديون بأي عمل عدائي نحو حلب، حتى تقوم بسداد الجزية السنوية التي كانت تدفعها للدولة البيزنطية منذ عام 360هـ (970م)، وألا تمد الدولة العبيدية يد المساعدة لأي عدو من أعداء الدولة البيزنطية. وتجددت هذه الاتفاقية بين الحاكم العبيدي "المستنصر" والإمبراطور "ميخائيل الرابع" في عام 429هـ (1037م)[4].
 ومن اللافت للنظر أن سقوط بيت المقدس في يد الصليبيين في سنة 492هـ (1098م) كان بسبب شن العبيديين حروب كثيرة ضد الممالك الإسلامية في بلاد الشام، ووضع المسجد الأقصى تحت حماية هزيلة لم يتجاوز تعدادها اثني عشر ألف جندي، فيما اجتيحت مصر بجيش جوهر الصقلي البالغ عدده مائة ألف رجل، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الدولة العبيدية استمرت بعد هذه الفجيعة اثنين وثلاثين عامًا كاملة تبسط يدها على أراضي إسلامية شاسعة تحاول تغيير المذهب السني فيها بالقوَّة[5].
 ويذكر المؤرخ "المقريزي" في خططه أنه لما ثقلت وطأة صلاح الدين على العبيديين في القاهرة، حنق عليه رجال القصر ودبروا له المكائد، فاتفق رأيهم على مكاتبة الفرنجة ودعوتهم إلى مصر، فإذا ما خرج صلاح الدين إلى لقائهم قبضوا على من بقي من أصحابه بالقاهرة، وانضموا إلى الفرنجة في محاربته والقضاء عليه. وفعلاً جاء الفرنجة إلى مصر وحاصروا دمياط في عام 565هـ (1169م)، وضيقوا على أهلها وقتلوا ناسًا كثيرًا، وجاءوا إليها من البر والبحر رجاء أن يملكوا الديار المصرية[6].
 ولما ضعفت دولتهم في أيام العاضد وصارت الأمور إلى الوزراء، وتنافس شاور وضرغام، فكر شاور في أن يثبت ملكه ويقوي نفوذه، فاستعان بنور الدين محمود فأعانه. ولما خلا له الجو لم يفِ له بما وعد، بل أرسل إلى "أملريك" ملك الفرنجة في بيت المقدس يستمده، ويخوفه من نور الدين محمود إنْ ملك الديار المصرية، فسارع إلى إجابة طلبه، وأرسل له حملة أرغمت نور الدين على العودة بجيشه إلى الشام، ولكن سرعان ما عاود نور الدين المحاولة في عام 562هـ، فاستنجد شاور بالصليبيين مرة ثانية وكاتبهم، وجاءت جيوشهم خشية أن يستولي نور الدين على مصر ويضمها إلى بلاد الشام فيهدد مركزهم في بين المقدس.
 ولما وصلت عساكر الفرنجة إلى مصر انضمت جيوش شاور والمصريين إليها، والتقت بجيوش نور الدين بمكان يعرف بالبابين (قرب المنيا)، فكان النصر حليف عسكر نور الدين محمود، ثم سار بعدها إلى الإسكندرية، وكانت الجيوش الصليبية تحاصرها من البحر وجيوش شاور وفرنجة بيت المقدس من البر، ولم يكن لدى صلاح الدين -القائد من قبل نور الدين- من الجند ما يمكنه من رفع الحصار عنها، فاستنجد بأسد الدين شيركوه فسارع إلى نجدته، ولم يلبث الصليبيون وشيعة شاور حتى طلبوا الصلح من صلاح الدين، فأجابهم إليه شريطة ألا يقيم الفرنجة في البلاد المصرية. غير أن الفرنجة لم تغادر مصر عملاً بهذا الصلح، بل عقدت مع شاور معاهدة كان من أهم شروطها كما يقول ابن واصل: "أن يكون لهم بالقاهرة شحنة صليبية -أي حامية- وتكون أبوابها بيد فرسانهم ليمتنع نور الدين محمود عن إنفاذ عسكره إليهم. وكما اتفق الطرفان على أن يكون للصليبيين مائة ألف دينار سنويًّا من دخل مصر"[7].
 ويقول محمود شاكر: "لقد دعم العبيديون الصليبيين في أول الأمر، ووجدوا فيهم حلفاء طبيعيين ضد السلاجقة خصومهم، وقد ذكرنا أنهم اتفقوا معهم على أن يحكم الصليبيون شمالي بلاد الشام ويحكم العبيديون جنوبيها، وقد دخلوا بيت المقدس، غير أن الصليبيين عندما أحسوا بشيء من النصر تابعوا تقدمهم واصطدموا بالعبيديين، وبدأت الخلافات بينهم؛ فالعبيديون قد قاتلوا الصليبيين دفاعًا عن مناطقهم وخوفًا على أنفسهم ولم يقاتلوا دفاعًا عن الإسلام وحماية لأبنائه، ولو استمر الصليبيون في اتفاقهم مع العبيديين لكان من الممكن أن يتقاسموا وإياهم ديار الإسلام"[8].

 غدر القرامطة بأهل السنة
من المعلوم أن القرامطة فرقة سياسية وحركة عسكرية باطنية إسماعيلية، لم تكن دولة بالمعنى الصحيح، ولكنها كانت كيانًا منظمًا يعتمد على البدو، وهم قطب الرحى في الغارات التي كانت تشنها هذه الحركة على البلاد المجاورة وتغنم منها، ثم يعود مقاتلوها إلى مركزها في الأحساء والبحرين[9]. على أن القرامطة كانوا أعداء ألدّاء للدولة العباسية؛ لأنها كانت دولة سنية تقف بالمرصاد لغلاة الشيعة من الباطنية[10].
 لقد ظلت الدعوة القرمطية تنشط في السر إلى أن جاء أبو سعيد الجنابي (الحسين بن بهرام) من جنابة في بلاد فارس، فأقام بالبحرين تاجرًا، ثم جعل يدعو الناس إلى نحلته الفاسدة، فانتشرت في البحرين، ثم أنشأ لها فرعًا كبيرًا في الأحساء، وتبعها فئات من الناس[11].
 وحين ظهر أمر أبي سعيد وقوي صيته، قاتل بمن أطاعه من عصاه، فنزل الأحساء[12]، ثم حاصر القطيف، وحاصر هجر عاصمة البحرين آنذاك شهورًا يقاتل أهلها، فاستولى عليها[13]، وقتل كثيرًا من أهل السنة، وخرب المساجد، وأحرق المصاحف، وفتك بالحجاج، وهاجم قوافلهم[14].
 ثم خلفه ابنه سعيد الذي سلم الأمر إلى أخيه أبي طاهر بعد ذلك[15]. فسار هذا الأخير إلى البحرين، وخرب منازل الحاج، وقد كانت في الأمن والعمارة كالأسواق القائمة، وأغار على مكة، وقتل وسلب ونهب، وأثخن في المسلمين[16]. وتذكر المصادر أن قتلاه أكثر من قتلى بابك الخرمي وصاحب الزنج[17].
 وفي زمن الخليفة المقتدر، كان من في بغداد من الباطنية قد راسلوا أبا طاهر هذا بضعف السلطان، وطلبوا منه أن يركب إلى بغداد ليستولي عليها، فسار القرامطة إلى العراق يقتلون وينهبون. وقال قائلهم: ما بقي شيء ينتظر، وما جئنا لإقامة دولة ولكن لإزالة شريعة[18].
 ومن أعمالهم الشنيعة أنهم أغاروا على الحجاج في بيت الله الحرام، وسلبوا البيت، وقلعوا الحجر الأسود وحملوه معهم[19] إلى الأحساء[20]، وزعموا أنه مغناطيس يجذب الناس إليه من أطراف العالم[21]. وما فقهوا أن اعتدال الإسلام وعدله هما اللذان يجذبان الناس إلى ذلك المكان المبارك. وسبوا من النساء العلويات والهاشميات وسائر الناس نحو عشرين ألفًا[22].
 وهكذا قامت هذه الحركة الباطنية الإباحية الهدامة على الأشلاء والدماء، وعبثت بالقيم والأخلاق، فدمرت القرى والمدن السنية، وقتلت الشيوخ والنساء والأطفال، ووصل بها الأمر إلى انتهاك حرمة الأماكن المقدسة. إنها لا تختلف عن الحركات الثورية اليسارية في عالمنا المعاصر؛ إذ نجد قاسمًا مشتركًا بينها وبين المنظمات السرية كالماسونية والمذاهب الفوضوية كالشيوعية التي تنادي بالإباحية والحرية بلا قيود، وترى أن الدين هو العدو الحقيقي للبشرية، وأنه لا بد من القضاء عليه.
 

غدر الحشاشين بزعماء أهل السنة والفتك بهم
لما كان أهل السنة والجماعة هم حاملو راية الحق، ينهلون من الكتاب والسنة عقائدهم وتصوراتهم وعباداتهم ومعاملاتهم وسلوكهم وأخلاقهم، ويتمسكون بالدين الحق الذي بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم، أغاظ ذلك الباطنية الملاحدة الذين يضمرون العداوة والبغضاء لمن هو على النهج المستقيم، فراحوا يحيكون الدسائس والمؤامرات لاغتيال رموز أهل السنة وزعمائهم، "فأخذوا في التمكين لأنفسهم بتحصين قلاعهم وحشدها بالجند من (الفداوية)، مع التركيز على تدربيهم في مدرسة الكهف[23]؛ إذ حوَّلوا شبابًا في مقتبل العمر إلى مجموعات من القتلة المحترفين لا يهابون الموت، ولا يخشون الردى في سبيل تحقيق أغراض شيخهم ونيل مرضاته، فباعوا آخرتهم بدنيا غيرهم، وذلك الخسران المبين.
 لقد كان من المحتم أن يصطدم أهل السنة بالباطنية، فهم من غلاة الشيعة الذين امتلأت صدورهم كراهيةً وحقدًا على أهل السنة والجماعة، فواصلوا مهنتهم في الاغتيالات التي جعلتهم مروعين يخشاهم كثير من الناس؛ ولهذا الغرض سيطروا على عدة قلاع بين حمص وحماة ينطلقون منها لترويع الآمنين، ولمباشرة أعمالهم الإجرامية ضد زعماء السنة في تلك الفترة الحرجة من تاريخ المسلمين.
 وقد افتتح الباطنية نشاطهم في بلاد الشام بقتل "جناح الدولة" أمير حمص سنة 479هـ (1103م)[24]، ثم قتلوا "خلف بن ملاعب" صاحب أفامية بعد ذلك بثلاث سنوات؛ حيث قام "أبو طاهر الصائغ العجمي" زعيم الحشاشين بإرسال جماعة من أهل سرمين لاغتياله فقتلوه في 26 من جمادى الأولى سنة 499هـ (1105م)، وظل حصن أفامية بيد الباطنية حتى أخذه الفرنجة منهم في عام 500هـ (1106م)"[25].
 وكان السلطان مودود -رحمه الله- أول من حرّك مشاعر الجهاد عند الأمة الإسلامية، فبدأ تحركه ووصل إلى دمشق. وكان أول من بدأ المعارك حتى حطم أسطورة الجيش الصليبي الذي لا يقهر، وأعاد للمسلمين الثقة بالنصر. فعندما وصل إلى دمشق اغتاله الباطنية في الجامع الأموي بعد صلاة الجمعة؛ ولهذا قال الصليبيون كلمة أصبحت مثلاً: "إن أمة قتلت عميدها، في يوم عيدها، في بيت معبودها، لحقيق على الله أن يبيدها". فالصليبيون أنفسهم لم يصدقوا أن أحدًا ينتسب لهذه الأمة يغتال السلطان مودود في داخل المسجد في يوم الجمعة في شهر رمضان وهو صائم من أجل أنه أراد أن يجاهد الصليبيين[26]!
 وفي عام 503هـ (1109م) هاجم الباطنية حصن شيزر على حين غفلة من أهله، فملكوه وأخرجوا من كان فيه، منتزعين إياه من أصحابه بني منقذ[27].
 ولم يلبث أن وفد على الشام من فارس أحد زعماء الباطنية واسمه "بهرام"، فنزل في حلب ثم انتقل إلى دمشق؛ حيث حظي برعاية أميرها طغتكين، "وأكرم لاتقاء شره وشر جماعته، وحملت له الرعاية وتأكدت به العناية"، كما يقول القلانسي[28].
 على أنه خشي أهل دمشق وهم من السنة، فما زال يسعى عند "طغتكين" حتى منحه حصن بانياس عام 520هـ (1126م)، ويذكر ابن الأثير أن تسلمه هذا الحصن جاء كارثة على البلاد؛ إذ عظم به الخطب وحلت المحنة بظهوره، واشتد الحال على الفقهاء والعلماء وأهل الدين لا سيما أهل السنة[29].
 أما ابن القلانسي فيقول بأن "بهرام" لم يكد يستولى على بانياس حتى "اجتمع إليه أوباشه من الرعاع والسفهاء والفلاحين والعوام وغوغاء الطغام الذين استغواهم بمحاله وأباطيله، واستمالهم بخدعه وأضاليله، فعظمت المصيبة بهم وحلت المحنة بظهور أمرهم، وضاقت صدور الفقهاء والمتدينين والعلماء وأهل السنة والمقدمين…"[30].
 وهكذا لم يستطع الناس الاعتراض على أعمال الباطنية؛ نظرًا لحماية "طغتكين" لهم من ناحية، ولعنف وسائلهم ووحشية انتقامهم من ناحية ثانية؛ "إذ شرعوا قتل من يعاندهم ومعاضدة من يؤازرهم على الضلال، ويرافدهم بحيث لا ينكر عليهم سلطان ولا وزير ولا يفلُّ حدَّ شرهم متقدم ولا أمير"[31].
 وفي عام 520هـ (1130م) قتلوا "البرسقي" أتابك الموصل[32]، وفي عام 523هـ (1130م) أرسل الباطنية من مركزهم في قلعة آلموت اثنين من الباطنية لقتل "تاج الملوك بوري" أتابك دمشق والانتقام منه لما حلَّ بإخوانهم في دمشق وبانياس. وقد تحايل هذان القاتلان على تنفيذ غرضهما حتى نجحا في الاعتداء على بوري، ولكن إصابته لم تكن قاتلة، فأبرأ وفشلت خطة الباطنية[33].
 ويروي أبو شامة المقدسي في تاريخه كيف حاول الباطنية اغتيال "صلاح الدين الأيوبي" قاهر الصليبيين وأسد حطين مرتين، ولكن المحاولتين فشلتا بإذن الله، ولم يصب بأذى. ففي عام 570هـ (1174م) بعث "سعد الدين غومشكين" بمبلغ كبير من المال إلى "سنان" زعيم الباطنية من أجل أن يغتال "صلاح الدين"، فأرسل "سنان" عددًا من رجاله فهاجموا "صلاح الدين" على حين غرة إلا أنهم قتلوا جميعًا دون أن يتمكنوا من إزهاق روحه؛ إذ بدر واحد من الحشاشين الذين اختلطوا بجند السلطان وبيده سكينًا مشهورًا قاصدًا السلطان ليهجم عليه في خيمته، فلما صار إلى باب الخيمة اعترضه "طغويل أمير جاندار" فقتله، وطلب الباقون فقتلوا بعد أن قتلوا جماعة من الجند[34].
 وفي عام 571هـ (1107م) تقدم "صلاح الدين" نحو قلعة عزاز، وبينما كان يحاصر تلك البلدة، وثب عليه أحد الباطنية وهو في زي الجند وطعنه بخنجر في رأسه، لكن صفائح الحديد المدفونة في خوذته عاقته ولفحت المدية خده فخدشته، وأمسك صلاح الدين بالباطني الذي استمر في هجومه عليه دون أن يتمكن من طعنه، وقتل وهو على هذه الحال من قبل مرافقي السلطان. ثم وثب آخر على السلطان وقتل أيضًا، وخرج آخر من الخيمة منهزمًا فثار عليه الجند فقطعوه[35]، وردَّ الله تعالى كيد الباطنية في نحورهم، فلم يحققوا بغيتهم.
ويطول بنا الأمر لو حاولنا تسجيل كافة الاغتيالات التي نفذها الحشاشون في رموز وزعماء أهل السنة.
وهكذا أثر انتشار المذهب تأثيرًا سلبيًّا في مجريات الأحداث في تلك الفترة القلقة من تاريخ المسلمين؛ إذ ظل أهل السنة منهكي القوة، مشتتي الجهود بين القضاء على خطرين جسيمين: الباطني، والصليبي.
لكن الخطر الباطني كان أفدح وأدهى وأمرّ؛ إذ كان يمس الجبهة الداخلية في الصميم، تتزعمه مجموعة من المنافقين المرتدين المندسين في صفوف المسلمين الذين انخلعوا من ربقة الإسلام، واستحلوا المحرمات.
ويصف المؤرخ كمال الدين بن العديم حالهم بقوله: "في عام 572هـ (1176م) انخرط سكان جبل السماق في الآثام والفسوق، وأسموا أنفسهم المتطهرين، واختلط الرجال والنساء في حفلات الشراب، ولم يمتنع رجل عن أخته أو ابنته، وارتدت النساء ملابس الرجال، وأعلن أحدهم بأن سنانًا هو ربه"[36].
وهكذا ظلت طائفة الإسماعيلية الباطنية مصدرًا خطيرًا للانحلال الفكري والسياسي والاجتماعي في بلاد الشام خلال عصر الحروب الصليبية، في وقت كان المسلمون في حاجة ماسة إلى من يشد أزرهم ويعضد قوتهم، لا إلى من يقوض وحدتهم، ويشتت جهودهم، وينسفهم من الداخل.

ـــــــــــــــــــــــــ

[1] انظر: ابن الجوزي: الأحاديث الموضوعة 1/37، والعراقي: الفتح المغيث في شرح ألفية الحديث ص127.
[2] الخطيب البغدادي: الكفاية في علم الرواية، ص49.
[3] انظر: ابن تيمية: مجموع الفتاوى 4/429.
[4] نقلاً عن أمير سعيد: خريطة الشيعة في العالم، ص59.
[5] المرجع السابق، ص60 (بتصرف).
[6] الخطط والآثار 2/2 (نقلاً عن المرجع السابق، ص66).
[7] ابن واصل: مفرج الكروب في أخبار بني أيوب، ص152.
[8] محمود شاكر: تاريخ الإسلام 6/252-257.
[9] انظر مقال المؤلف: القرامطة في الخليج العربي: ظروف نشأتهم، تعاليمهم، أساليبهم، كيانهم. مجلة البيان، عدد 240.
[10] ثابت بن قرة: تاريخ أخبار القرامطة (انظر: الجامع في أخبار القرامطة، ص16، 17).
[11] الطبري: تاريخ الرسل والملوك 10/75.
[12] المقريزي: المقفى 3/294.
[13] القاضي عبد الجبار: تثبيت دلائل النبوة 2/380.
[14] البغدادي: الفرق بين الفرق ص218، والحفني: موسوعة الفرق ص319.
[15] ثابت بن قرة: تاريخ أخبار القرامطة (الجامع، ص35).
[16] القاضي عبد الجبار: تثبيت دلائل النبوة 2/384.
[17] الجامع في أخبار القرامطة، ص157-168.
[18] القاضي عبد الجبار: تثبيت دلائل النبوة 2/383.
[19] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 6/203.
[20] ناصر خسرو: سفر نامه، ص160.
[21] القاضي عبد الجبار: تثبيت دلائل النبوة 2/385.
[22] المرجع السابق 2/385.
[23] انظر: ميشيل لياد: الإسماعيليون، ص106.
[24] سعيد عبد الفتاح عاشور: تاريخ العلاقات بين الشرق والمغرب، ص345.
[25] علي عبد السميع الخبزوري: الحروب الصليبية، ص228.
[26] أسامة بن منقذ: الاعتبار، ص77.
[27] سفر الحوالي: عوامل نجاح الحروب الصليبية.
[28] تاريخ دمشق، ص342.
[29] الكامل في التاريخ 8/319.
[30] ذيل تاريخ دمشق، ص225.
[31] ابن القلانسي: تاريخ دمشق، ص343.
[32] ابن العديم: زبدة الحلب من تاريخ حلب 2/598.
[33] ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق، ص230.
[34] كتاب الروضتين 2/350.
[35] المصدر السابق 2/309، 412.
[36] زبدة الحلب من تاريخ حلب 3/777.

 

 

غذر الشيعة بأهل السنة عبر التاريخ (2)

غدر ابن العلقمي بالخليفة العباسي المستعصم
لم يكن للخليفة العباسي سلطة فعلية أو قوة حقيقية, وكانت الوزارة في عهده للوزير الشيعي ابن العلقمي الذي أشار عليه بتسريح قسم كبير من جيشه, فقطع المال عن الجند, مما اضطرهم إلى الرحيل عن العراق, وأصبح عدد أفراد الجيش أقل من عشرين ألفًا بعد أن كان يبلغ مائة ألف[1].
 
وتذكر المصادر أن ابن العلقمي تواطأ مع هولاكو، وشجّعه على احتلال بغداد، وأنه كان يرسل الرسل سرًّا إليه ليطلع المغول على عورات الخليفة وضعف الخلافة، ويهون من شأنها ليسهل لهم فتح بغداد. كما تذكر هذه المصادر أنه لما حاول الخليفة أن يستعد لملاقاة جيش العدو قطع ابن العلقمي أرزاق الجند، وثبّط همة الخليفة، وصرفه عن الاستعداد لملاقاة جيش العدو بحجة أنه رتَّب شئون الصلح، إلى آخر هذه الحيل التي انخدع بها الخليفة حتى سقطت بغداد لقمة سائغة في أيدي المغول[2].
 
ولهذا كافأه هولاكو بأن نصبه وزيرًا. وفي هذا يقول ابن طباطبا: "فإن السلطان هولاكو لما فتح بغداد، وقتل الخليفة، سلم البلد إلى الوزير، وأحسن إليه وحكّمه"[3].
 

 

ويبدو أن الوزير ابن العلقمي كان يعرف جيدًا نفسية الخليفة المستعصم الذي كان شديد البخل، يكنز الأموال، ويقيم وزنًا كبيرًا للدينار والدرهم، ولا يصرف الأموال في شئون الدفاع، وتشجيع الجنود وحثهم على مواجهة الأعداء. وقد استمر هذا العيب لاصقًا به حتى في أحرج الأوقات عندما قدم هولاكو بجيوشه الجرارة إلى خرسان، وصار يهدد دولته بالفناء[4].
 
وفي هذا الشأن يقول ابن شاكر الكتبي بأن المستعصم لم يكن على ما كان عليه والده وجده من اليقظة والهمة، بل كان قليل الخبرة والتدبير، نازل الهمة، محبًّا للمال، مهملاً للأمور، يتكل فيها على غيره[5]. وقال الذهبي عنه: "فيه لين وقلة معرفة"[6]. وقد بلغ ضعف الهمة بالمستعصم إلى الحد الذي جعله يقول لمن حذره من اقتراب المغول: "أنا بغداد تكفيني، ولا يستكثرونها عليَّ إذا نزلت لهم عن باقي البلاد، ولا أيضًا يهجمون عليَّ وأنا بها وهي بيتي ودار مقامي"[7].
 

 

وفي يوم الحادي عشر من المحرم سنة 606هـ (1258م) أحكم المغول الحصار حول مدينة بغداد، واستمر حتى نهاية هذا الشهر. وفي خلال تلك الفترة كانوا يطلقون يد التخريب في المدينة، ويفتحون الأبراج حتى استولوا بهجماتهم على القسم الشرقي من الحصينات[8].
 
وقد حاول الجيش الصغير الذي أعده الخليفة بقيادة مجاهد الدين أيبك (الدواتدر الصغير) وسليمان شاه أحد قواد المستعصم المشهورين أن يحول دون استقرار المغول في أماكنهم، فكان مصيره الهزيمة المنكرة؛ إذ قُتل عدد كبير من الجنود لقوا حتفهم على يد المغول، فلم يسع مجاهد الدين أيبك وسليمان شاه إلا أن يذهبا إلى الخليفة على أثر هزيمتهما وأخبراه بما حدث، وأفهماه أنه لا طاقة لمن بقي من جيش المسلمين مع قلة عددهم على الصمود أمام المغول البالغ عددهم مائتي ألف (200.000) جندي أو ما يزيد على هذا العدد. ولهذا فهما يقترحان على الخليفة نقل خزائنه ونسائه في سفينة عبر نهر دجلة، حتى يصل إلى البصرة ليقيم في إحدى الجزائر هناك[9].
 
لكن الوزير ابن العلقمي خدع الخليفة وأقنعه بأنه لا داعي للانتقال؛ لأنه مهد طريق الصلح، وسوف يأتيه هولاكو والمغول طائعين منقادين. فخرج ابن العلقمي إلى هولاكو، فتوثق منه لنفسه وعاد إلى المستعصم أخبره بأن هولاكو سيبقيه في الخلافة كما فعل بسلطان الروم، ويريد أن يزوج ابنته من ابنه أبي بكر، وحسَّن له الخروج إلى هولاكو، فخرج من بغداد ومعه أبناؤه الثلاثة. فلما وصلوا إلى هولاكو لم يبد أثرًا للغضب، بل أخذ يلاطفهم ويطيب خاطرهم ثم طلب إلى الخليفة أن ينادي في الناس بإلقاء أسلحتهم والخروج من المدينة لإحصائهم. فلما ألقى الناس أسلحتهم وخرجوا قتلوا جميعًا. أما الخليفة وأولاده وكل ما يتعلق به فقد وضعوا في معتقل محاذ لباب كلواذي، وكان الخليفة يرى أنه هالك لا محالة[10].
 

 

بعد ذلك أمر هولاكو بردم الخنادق، وهدم أسوار المدينة، كما أمر بإقامة جسر على نهر دجلة. وفي يوم 7 من صفر أعلن الهجوم العام على المدينة، فاستباحها المغول، فخربوا المساجد بقصد الحصول على قبابها المذهبة، وهدموا الصور بعد أن سلبوا ما بها من تحف نادرة، وأباحوا القتل والنهب وسفك الدماء، وكان استهتارهم بالنفوس قد بلغ حدًّا فظيعًا، إذ يُروى أن أحدهم دخل زقاقًا وقتل أربعين طفلاً. ويقدر المعتدلون من المؤرخين عدد القتلى بنحو مليون وثمانية مائة ألف (1.800000) نسمة[11].
 
أما الخليفة فقد وضع في جولق، وقيل: في غرارة، ورفس بأرجل الخيل حتى مات، ودفن وعفي أثر قبره[12].
 

 

غدر الصفويين بأهل السنة
بعد دخول إسماعيل الصفوي مدينة تبريز أصّر على أن كل من يخالف ذلك ويرفضه فإن مصيره القتل، حتى ذكر له أن عدد سكان تبريز السُّنَّة لا تقل نسبتهم عن الثلثين (65%)[13]، فقال: إن من يقول حرفًا واحدًا فإنه سيسحب سيفه ولن يترك أحدًا يعيش. وقد رُوي أن عدد من قتلوا في مذبحة تبريز أكثر من عشرين ألف شخص، ومورس ضد السكان السنة أبشع أنواع القتل والتنكيل، حيث قطعت أوصال الرجال والنساء والأطفال ومثّل بالجثث[14].
 
وبعد هزيمته للأوزبك في محمود آباد -وهي قرية تبعد قليلاً عن مرو- سنة 916هـ (1510م)، أعمل إسماعيل الصفوي القتل في أهل مرو، وأمضى فصل الشتاء في هراة، وأعلن فيها المذهب الرافضي مذهبًا رسميًّا، على الرغم من أن أهالي هذه المناطق كانت تدين بالمذهب السني. كما سعى تعصبًا إلى إنشاء عدد من المدارس لتدريس مذهبه ونشره بين الناس[15].
 
وكان الشاه عباس الأول أيضًا شديد الحرص على نصرة المذهب الرافضي؛ مما دفعه للبطش بالمخالفين وإلحاق الأذى والضرر بهم، خاصة أهل السنة.
 
وكان عباس هذا ينتقم من أهل السنة متى واتته الفرصة لذلك. وقد وصل العداء به إلى درجة أنه حاول إقناع الإيرانيين بالتخلي عن الذهاب إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج، والاكتفاء بزيارة قبر الإمام الثامن علي بن موسى الرضا في مشهد. وذلك لأن الواجب القومي في زعمه يحتم عدم سفر الإيرانيين إلى مكة عبر أراضي العثمانيين السنة؛ حتى لا يدفعوا لهذه الدولة المعادية رسم عبور[16].
 

 

أما رولان موسينيه، فيعلل هذا التصرف بالحيلولة دون خروج الذهب من البلاد[17].
 
ولكي يرغب قومه في هذه الفكرة، كان عباس الأول يكثر من التردد على مشهد وزيارة قبر الإمام الثامن بها. كما أن سيره على الأقدام من أصفهان إلى مشهد كان وسيلة من وسائل ترغيبهم في تقليده والحج إلى ذلك المزار القبوري، بدلاً من الحج إلى الكعبة المشرفة في مكة[18]. ولذلك اعتاد الفرس أن يحجوا إلى مشهد بدلاً من الحج إلى مكة[19].
 
وكانت المعاملة السيئة التي عامل بها الأكراد الإيرانيين مرجعها بالدرجة الأولى إلى تبعية هؤلاء الأكراد للمذهب السني، وعدم قبولهم الدخول في مذهب الرافضة، مما جعلهم هدفًا لغضبه وحقده، ووصل الأمر في تعنته معهم إلى درجة التشريد في البلاد، ونقل عددًا كبيرًا منهم من كردستان إلى خرسان، وسبب لهم ألمًا نفسيًّا وإحساسًا بالظلم والغربة والتشرد[20].
 
وكان الشاة عباس الأول قاسي القلب خشنًا مع الأسرى السنة من العثمانيين والأوزبك. وكان أقل عقاب يوقع عليهم إن لم يقتلوا هو سمل عيونهم. ولم يكن يصفح عن أي أسير منهم إلا إذا أعلن تخليه عن المذهب الرافضي[21].
 

 

وقد نقل جلال الدين محمد اليزيدي المنجم الخاص للشاه عباس في كتابه "تاريخ عباسي" العديد من مظاهر تعنته مع أهل السنة منها:
 
- أنه نزل في عام 1008هـ (1599م) ببلدة سمنان، وبسبب تطاول حاكمها عليه وعدم امتثال أهلها لقوانينه، تم اعتقال عدد كبير من أهل السنة بها، وأمر عباس بإطعام عوامهم بأذان وأنوف علمائهم، ثم حصَّل 300 تومان منهم تكفيرًا لجرمهم![22].
 
- وفي عام 1018هـ (1609م) بلغه أن حاكم مدينة همدان ويدعى محمود الدباغ، وهو سني المذهب، كان يؤذي الشيعة هناك، فأمر بإلقاء القبض عليه، والفتك به، ولكن محمودًا اختفى، فأصدر الشاه أمرًا مؤداه: إذا لم يظهر محمود الدباغ في ظرف ثلاثة أيام فسيتم قتل كل أفراد القبائل السنية في المدينة، ويتم الاستيلاء على أموالهم ونسائهم وأطفالهم، وأخيرًا ألقي القبض على الدباغ فأعدم[23].
 
- وفي عام 1020هـ (1611م) زار عباس قبر الشيخ زاهد الجيلاني مرشد جده صفي الدين الأردبيلي، وتصدق بأموال طائلة، وأمر أن توزع على خدام القبر وزوَّاره بشرط ألا يُقدم منها شيء لأي سني، كما قام بلعنهم[24].
 
وعلى العموم، فإن الصفويين الذين أقاموا دولة فارسية رافضية متعصبة في إيران، قد حاربوا أهل السنة الذين كانوا أكثرية في البلاد بكل الوسائل المتاحة لهم.
 

 

تحالفهم مع الأوربيين ضد العثمانيين
أدرك الصفويون أنهم لن يستطيعوا منازلة السلطة العثمانية إلا بالتعاون مع أعدائها الأوربيين؛ ولذلك نجد بعض سلاطينهم وعلى رأسهم إسماعيل الأول وعباس الأول حرصوا كل الحرص على الاتصال بجميع ملوك أوربا، وحاولوا عقد المعاهدات معهم للتعاون المشترك من أجل مناهضة العثمانيين ومحاربتهم.
 

 

وقد تسبب كثير من الحروب مع الصفويين في أن يرجع القادة العثمانيون من فتوحاتهم في أوربا ليوقفوا الزحف الصفوي على الأراضي السنية؛ كما حدث مع السلطان سليم العثماني حينما عاد من فتوحاته في أوربا ليواجه إسماعيل الأول. وكما حدث مع السلطان سليمان القانوني حينما حاصر النمسا، وكان يدك أسوارها لمدة ستة أشهر وكاد يفتحها. ولكن طارت إليه أنباء من الشرق جعلته يكرُّ راجعًا إلى إستانبول. إنها نذر الخطر الصفوي بشقيه:
أ- فتن الباطنية والعلوية.
ب- الحروب طويلة الأمد[25].
 
ويكفي ها هنا قول بوسيك سفير فرديناد ملك قشتالة في بلاط السلطان محمد الفاتح حين صرح قائلاً: "إن ظهور الصفويين قد حال بيننا (يقصد الأوربيين) وبين التهلكة (يقصد الهلاك على أيدي العثمانيين)"[26].
 

 

ولقد شهد التاريخ كثيرًا من المؤامرات التي حيكت في عهد الشاه إسماعيل الأول، إذ بعد هزيمته المرة في موقعة جالديران أمام السلطان سليم الأول، توجه للتحالف مع البرتغاليين لتغطية الهزيمة التي لحقت به في تلك الموقعة، فأقام العلاقات معهم. وكان هؤلاء جزءًا من أوربا التي فرحت بظهور الدولة الصفوية حين لاحت لهم بظهورها فرصة انفراج الضغط العثماني عليهم وعلى تجارتهم. ولذلك سعت الممالك الأوربية وإسماعيل الصفوي يعرض كل منهما على الآخر تثبيت عُرا الصداقة والمودة وإيجاد علاقات سياسية واقتصادية[27].
 

 

أما البرتغاليون فقد تمت اتفاقية بين حاكمهم في الهند "البوكيرك" وبين الشاه إسماعيل الأول نصَّتْ على ما يلي:
 
1- تصاحب قوة بحرية برتغالية حملة إيران على البحرين والقطيف.
 
2- تتعاون البرتغال مع إيران على إخماد حركات التمرد في بلوشستان ومكران.
 
3- تتحد الدولتان في مواجهة الدولة العثمانية.
 
4- تصرف حكومة إيران النظر عن جزيرة هرمز، وتوافق على أن يبقى حاكمها تابعًا للبرتغال، وأن لا تتدخل في أمورها الداخلية[28].
 
ومن الدول أيضًا التي كان الصفويون يسعون لإيجاد علاقات وإبرام معاهدات معها للتخلص من السلطنة العثمانية إسبانيا والمجر، حيث بعث إسماعيل الأول برسالتين إلى كل من إسبانيا والمجر، طلب فيهما عقد معاهدات صداقة وتعاون بينهم، وعرض فكرة اتحاد بغرض سحق الأتراك حسب تعبيره[29].
 
وكان سعيه للاتفاق مع جمهورية فينيسيا (البندقية) مخزيًا؛ إذ كانت فينيسيا من الدول المتأثرة تجاريًّا بسبب قضاء العثمانيين على الدولة البيزنطية وإغلاقها الطريق الرئيس للتجارة بين أوربا وآسيا، فأرسل الشاه إسماعيل السفراء إلى بلاط فينيسيا مقترحًا عليهم الهجوم على العثمانيين عن طريق البحر، وأن يقوم هو بالهجوم من ناحية البر، على أن تسترد فينيسيا قواعدها التي فقدتها في البحر الأبيض المتوسط[30].
 

 

الخاتمة
لعل أهم نتيجة يمكن استخلاصها من هذه الدراسة هي أن الفِرَقَ الشيعية رغم اختلافها في الأسماء، ورغم تواجدها في أماكن متباعدة وفترات غير متقاربة زمنيًّا، فهي تتفق غالبًا في المنطلقات والأساليب، وفي الأهداف والغايات.
 
وبالاستقراء لتاريخ الإسلام قديمًا وحديثًا ندرك هدف الفرق الشيعية على مختلف توجهاتها وهو: هدم الإسلام السني وزعزعة مبادئ العقيدة الصحيحة في نفوس المسلمين، وتسويق البدع بين الناس، ومحاولة نشر الكفر الشيعي في المناطق التي كانت إلى وقت قريب قلاعًا سنية محمية غير مخترقة بهذا الفكر البدعي الخرافي.
 
على أن الصراع الشيعي السني لا يزال ممتدًا إلى يوم الناس هذا، فالأفكار لا تموت، والعقليات لا تتغير، وإنما تتغير الأشكال والوجوه والمسوح، وأن أعداء الإسلام المختفين من المنافقين أشد خطرًا على الإسلام وأهله من الأعداء الكفار المجاهرين المعلنين.
 
ولا يزال الرافضة والباطنية إلى الآن يضعون أيديهم في أيدي الصليبيين الجدد والصهاينة للقضاء على الإسلام، وتهميش دور أهل السنة، وما أحداث أفغانستان والعراق عنَّا ببعيدة. ويعملون ساسة ومفكرين ومثقفين سرًّا وإعلانًا، ليلاً ونهارًا، للغدر بأهل السنة أسوة بأسلافهم، ويسعون بكل الوسائل للقضاء على العقيدة الصحيحة التي تلقتها الأمة من مشكاة النبوة، ولكن هيهات هيهات، فحالهم مع أهل السنة كما قال الشاعر العربي:
كناطح صخـرة يومًا ليوهنـها *** ولم يضرها وأوهى قرنه الوعل[31]
 
المصدر: مجلة البيان.
 

ـــــــــــــــــــ
[1] ابن الوردي: تتمة المختصر في أخبار البشر 2/243، وابن تغري بردي: النجوم الزاهر 7/48.
[2] الذهبي: دول الإسلام 2/156، وأبو الفداء: المختصر في أخبار البشر 3/193-194، والمقريزي: كتاب السلوك 1/501، وابن خلدون: العبر 3/537، والسيوطي: تاريخ الخلفاء ص428.
[3] الفخري في الآداب السلطانية، ص338.
[4] فؤاد عبد المعطي الصياد: المغول في التاريخ، ص201.
[5] فوات الوفيات 2/231، وأبو الفدا: المختصر 3/194.
[6] دول الإسلام 2/146.
[7] ابن العبري: تاريخ مختصر الدول، ص255.
[8] رشيد الدين الهمداني: جامع التواريخ، ج1، (الإيلخانيون: تاريخ هولاكو)، ص29، (الترجمة العربية).
[9] فؤاد عبد المعطي الصياد: المغول في التاريخ، ص263-264، (نقلا عن الجوزجاني: طبقات ناصري، ص427)، مصنف باللغة الفارسية.
[10] أبو الفداء: المختصر في أخبار البشر 3/194، والذهبي: دول الإسلام 2/160، وابن الوردي: تتمة المختصر في أخبار البشر 2/283.
[11] الذهبي: دول الإسلام 2/120، والديار البكري: الخميس 2/376.
[12] ابن الفوطي: الحوادث الجامعة، ص357.
[13] عبد الله الغريب: وجاء دور المجوس ص80، (بتصرف).
[14] أحمد الخولي: الدولة الصفوية، ص51.
[15] فوزي توكر: الصفويون، شبكة المعلومات الدولية، موقع (Google).
[16] بديع محمد جمعة: الشاه عباس الكبير ص101، (بتصرف).
[17] القرنان 14-16م (تاريخ الحضارات العام)، بإشراف موريس كروزيه 4/574.
[18] بديع محمد جمعة: الشاه عباس الكبير، ص102.
[19] رولان موسينيه: القرنان: 14-16م (تاريخ الحضارات العام)، ج4، ص574.
[20] محمد أمين زكي: تاريخ الكرد وكردستان، ص102.
[21] محمد بديع جمعة: الشاه عباس الكبير، ص103.
[22] المصدر السابق، ص102 (نقلاً عن تاريخ عباسي، ص37 وما بعدها).
[23] المصدر السابق، ص104 (نقلاً عن تاريخ عباسي، ص37 وما بعدها).
[24] المصدر السابق، ص 104 (نقلاً عن تاريخ عباسي، ص37 وما بعدها).
[25] محمد عبد اللطيف هريدي: الحروب العثمانية الفارسية وأثرها في انحسار المد الإسلامي عن أوربا، ص61.
[26] أحمد الخولي: الدولة الصفوية، ص87.
[27] المرجع السابق، ص87.
[28] المرجع السابق، ص91-92.
[29] المرجع السابق، ص94.
[30] المرجع السابق، ص93.
[31] ديوان الأعشى، ص61.

 



_PRINT

التعليقات

إضافة تعليق