كيفية القضاء على هذا الفكر
2014-02-23 21:18:59 (1918) قراءة

 

 


هل يمكن تفكيك جماعة "أنصار الله" الموالية للشاب الشيعي عبدالملك الحوثي بما يضمن عدم انتشارها المطرد بالسلاح والعقيدة في العُمق اليمني، وخاصة في المناطق الشمالية التي يتوسع فيها باستخدام الحروب والقبائل وإضفاء القداسة النورانية على "مسيرته" التي يصفها بأنها مسيرة "قرآنية" حوّلت زعامته الروحية لما يشبه "الرحمة" التي يؤمن بها أنصاره حد الرغبة في الموت من أجلها.

التحدي الأبرز الآن في اليمن يحفز النخب السياسية لإعلان النفير من خطورة المد الحوثي الذي يُجمل صورته باستئجار العديد من الشخصيات المدنية للحديث باسمه، وإضفاء قدر ممكن من السلمية والتبرير لمقاصده التوسعية تحت لافتة المظلومية السابقة التي تعرض لها من الجيش اليمني في ست حروب لم تنجح كلياً بالقضاء على فكرة الجهادية (الحسينية) ضد الحكام الظالمين التي يتبناها؛ بل صارت هذه المظلومية مبرره التوسعي لحماية نفسه وتسليحها من الأعداء المفترضين.

من البديهي أن استمرار مثل هذه الجماعات الدينية المسلحة مرهون باستثمار قضية عامة يجعلونها شعاراً دائماً لهم لكسب التعاطف والتأييد الداخلي في ظل حماية إقليمية من دول لها مصالحها المذهبية أو السياسية أو حتى الوجودية العابثة بالثروة، وشراء الدول والشعوب.

في البداية كان الأمر مجرد "صرخة" يرفعها أنصار السيد حسين بدرالدين الحوثي الذي قتلته القوات الحكومية في 2004 من داخل المساجد تدعو لموت أميركا ولعن اليهود ونصرة الإسلام؛ إنه شعار براق في ظل موجة الاختراق الأميركي اللعين على البلدان العربية والإسلامية وبخاصة اليمن، ومشاهد المأساة المُعمقة للاحتلال الصهيوني السافر لدولة فلسطين منذ أكثر من خمسين عاماً. هذه الصرخة لم تكن مبرراً كافياً للبقاء، إلا أن استثمار حروب الدولة اليمنية على وجودهم الفكري كان مبرراً جيداً لمواصلة دعوتهم التي لاقت بعد سقوط نظام صنعاء رواجاً لافتاً مكنهم بعد ذلك من الاستيلاء على صعدة الحدودية للمملكة السعودية، التي ساهمت هي الأخرى في ضرب معاقله وتحصيانته بموافقة حكومية رسمية خلال الحرب السادسة والأخيرة التي انتهت بمعاهدة سلام بين الحكومة المحلية وهذه الجماعة التي تستثمر كل شيء من أجل بلوغها عنصر الديمومة كي لا تصاب بالتكلس والانهيار.

بعد الصرخة تجاوز الحوثيون مبرر بقاء أسلحتهم وعتادهم وقوتهم ووجودهم أصلاً بكونهم قوة سياسية لكنها في الوقت عينه لم تقدم أي شكل أو برنامج لإطارها السياسي، بل واصلت الاحتماء بظلال عدد من المدنيين وأساتذة القانون والبرلمان والإعلاميين الذين يختلقون كل فترة مبررات الديمومة، فيما تشهد الوقائع الميدانية اشتباكات مستمرة وحروب متقطعة على رموز مشيخية وقبلية في المناطق المحيطة بعاصمتهم صعدة تضمن إذعانهم أو إقصائهم وتهجيرهم من مناطقهم أمثال عثمان مجلي في صعدة، وصغير بن عزيز في حرف سفيان، وآل الأحمر في عمران، بجانب هذا كله يستثمر الحوثيون غباء الجماعات السُنية التي تُـحرم احتفاله الدائم بالمناسبات الدينية مثل "المولد النبوي" لجعله الوريث الشرعي للشخصيات المقدسة بالنسبة للمسلمين عامة.

انطلق حسين الحوثي من مدرسة والده الفقهية، وقد كان ضمن عدد محدود من رجال الدين التابعين للمذهب "الزيدي" في منطقة صعدة بشمال اليمن، هذا المذهب الذي شهد انحساراً واضحاً بعد سقوط حكم الأئمة عام 1962 وإعلان الجمهورية في الشطر الشمالي من اليمن آنذاك .. غير أن طموح الحوثي السياسي وارتباطه بالمد الشيعي الإيراني أشعر رجال الدين الآخرين بالخطر؛ فأصدروا براءتهم الشهيرة من أقواله ومعتقداته، إلى أن اضطروا لمهادنة قوته المليشاوية بعد سيطرته التامة على مناطق الشمال اليمني وانشقاقهم عن "جمعية العلماء الرسمية" لتكوين "رابطة العلماء" الذين يشكلون الآن مرجعيته المذهبية أو الدينية كي تكتمل مؤسساته المفترضة لتحويل جماعته لكيان رديف للدولة يصعب فيما بعد فكرة إزاحته عن المشهد السياسي أو الديني أو الشعبي في النسيج اليمني العام.

الحوثية في تركيبتها المعقدة ليست واضحة حتى لمن يشتغل في بنيتها وحتى لخصومها، وتبدو فاعلاً قوياً ومتغيراً إلا أنها انعكاس لماضوية حالمة تم عجنها بالخبرات الإسلاموية السنية والشيعية على مستوى العقيدة والأدوات، وهي إفراز طبيعي لتجاهل مناطق القبائل من قبل النخبة التي تحكمت بالجمهورية، ونزوع انتقامي من الاكتساح الإخواني فيها، ونتيجة طبيعية لغياب قيادات جديدة في البنية القبلية من خارج منظومة التمشيخ التقليدي الذي ظل عاجزاً عن الاستجابة لحاجة منطقة القبائل في ظل متغيرات جذرية في الواقع اليمني.

الأهم أنها ردة فعل متوحش ضد التغيير الذي أفرز تغييراً اجتماعياً جذرياً قاد إلى تهميش الهاشمية الزيدية التي وجدت نفسها بلا قاعدة في الانتخابات المتلاحقة التي خاضتها الأحزاب الدينية المعبرة عن الحزبية الهاشمية.

ماذا نريد إذاً؟

هناك نقاط ضعف لا يستطيع الحوثي ملأها وهي التي تّـمكن النظام المركزي بالعاصمة أو خصومه من استثمارها في سبيل إضعاف تقدم "أنصار الله" المدهش والمقلق في آن.

أهم هذه النقاط: الارتكاز على خطة "تفريخه"، وهي لعبة برع فيها الرئيس السابق علي عبدالله صالح حين صعد لسدة الحكم وواجه كل التكتلات المليشاوية أو العقائدية والقومية بالرقص على رؤوس الثعابين، أو سياسة "فرق تسد". هذا هو الحل الرئيسي لتفكيك الجماعات المسلحة العقائدية التي تهدد كيان الدولة الناشئة أو الضعيفة بصورة حقيقية لا يمكن إنكارها، لقد استطاع صالح تمزيق الحزب الناصري الذي واجهه بانقلاب عسكري فاشل في عام حكمه الأول، مع أهمية إيلائه لتقوية المركز بكل السبل، وتكوين تحالفات جديدة خاصة به يضمن ولاءها له، كان أهمها إنشاء "المؤتمر الشعبي العام" في عام 1982 كتنظيم سياسي مكون من مختلف التيارات والوجوه البارزة في المجتمع.

خطة "التفريخ" ترتكز أيضاً على أن أجداد الحوثي لم يكونوا في يوم، وخلال حكم الأئمة الطويل لليمن حكاماً عليها. ومن الذكاء انتزاع مسألة القداسة الإمامية للبيت الهاشمي الذي صار الحوثي ممثله الحصري بإنشاء نسخة مقدسة في أغلب المناطق التي كانت عواصم مختلفة لليمن القديم الموحد مثل آل المتوكل والمهدي بذمار. ونفس الشيء يتم عبر إعادة بيت حميد الدين إلى اليمن ودعمهم لتكوين تحالف إمامي مناهض لفكرة الحوثيين، وكذلك آل شرف الدين في كوكبان والمنصور في صعدة والشامي في إب، خاصة وأن كل هذه الأسر وغيرها ترتكز على ماضيها الحاكم لليمن الطبيعي، وتلتقي جميعها في نسب واحد، ربما تكون سيرهم التاريخية أعمق من آل الحوثي الذين لا تاريخ يربطهم بإرث اليمن قبل قيام الجمهورية.

قوة "الحوثي" الحالية مرهونة بانتفاء منافسين له في مشروع ولايته أو إماميته الحالمة لليمن، وفي حال بروز منافسين حقيقيين له ستبدأ هالته التي حرص على تلميعها بالتصدع، وانقسام التأييد الشعبي لعدد مدروس من اللامعين المنتسبين للأسر الهاشمية، بما يكبح جماح هذا الموروث التقليدي ويدفنه مع مرور الأيام.

لكن نجاح هذه الخطة مرهون بارتباطها بدعم إقليمي باذخ، وخاصة من السعودية التي لم تجد حلاً للمعضلة الحوثية إلا بعقد تحالف باطني معها، وتغيير حلفائها في الداخل اليمني الذين فقدوا شعبيتهم، وبالتحديد مشايخ آل الأحمر الذين هُجروا من منازلهم وقراهم، واستبدالهم بمشايخ محبوبين كآل عاطف وأبو شوارب وجليدان في "حاشد" وآل الشايف في "بكيل"، وتفعيل دور عائلة صالح باعتبارها العائلة السياسية المؤثرة في المشهد اليمني العام، إضافة إلى ضرورة رفض تشكيل الأقاليم السياسية التي ستحول الحوثي إلى جماعة متحكمة في الإقليم الأكثر شراسة المرتبط جغرافياً بالعاصمة، مما قد يعرضها للسقوط الحتمي في يد هذه الجماعة التي باتت الآن تشكل صداعاً دائماً للمستقبل اليمني.

 


المصدر: يمن برس

 


_PRINT

التعليقات

إضافة تعليق