الحراك الشيعي في السعودية تسييس المذهب ومذهبة السياسة
2014-02-24 19:14:04 (1036) قراءة

 

 

 

 

الحراك الشيعي في السعودية تسييس المذهب ومذهبة السياسة

 




صدر هذا الكتاب سنة 2013 عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر، وهو من تأليف بدر الإبراهيم ومحمد الصادق، وهما من الشباب الشيعي المثقف ذوي الخلفية العلمانية الليبرالية، وقد أحدث الكتاب ضجة في الأوساط الثقافية السعودية الشيعية والسنية على حد سواء، ويقال إنه بيع منه 5000 نسخة في معرض الرياض لسنة 2013.

الكتاب يقع فى 311 صفحة من القطع الكبير، وقد تناول قضيتين:

الأولى: الترويج للحل العلماني (المواطنة) لإنهاء التوتر والظلم الواقع على الشيعة وبقية (الأقليات) بالمملكة العربية السعودية من قبل الوهابية/ نجد!!

وقد بدأ الكتاب وانتهى بهذه القضية، عبر تقديم المؤلفين رؤية تحليلية لواقع المملكة تستند على نظرة عبدالله العروي حول هوية الدولة، والتي تقوم على تاريخ مشترك ومصلحة مشتركة، ومن هنا يبدأ المؤلفان بناء رؤيتهما وهي أن (المذهبية الوهابية) لا تشكل تاريخا مشتركا ولا مصلحة مشتركة لمكونات المملكة، والحل عندهما هو اعتماد العروبة كرابطة ثقافية لمكونات المجتمع السعودي، لبناء دولة المواطنة، في إزاحة واضحة للإسلام كهوية مشتركة لأبناء المملكة! وقد يكون هذا لفتح المجال لغير المسلمين في الدخول تحت رابطة العروبة!!

طبعاً في هذا كله يجعل المؤلفان أن الدولة والعلماء (الوهابيين كليهما) هما المسؤولان عن التوتر الطائفي، وأن تصرفات الشيعة الطائفية هي ردة فعل، زاد من حدّتها الثورة الخمينية وانتصار شيعة العراق بعد الاحتلال الأمريكي له!!

القضية الثانية: وهي التي تعطي الكتاب أهميته ومكانته، من خلال استعراض التاريخ الاجتماعي والثقافي والسياسي لشيعة القطيف بين سنتي (1979 – 2011م).

ومن المآخذ على الكتاب أن عنوانه يحمل اسما عاما (شيعة السعودية) لكن مضمونه اقتصر على شيعة القطيف بشكل مكثف، وأيضاً اعتمد المؤلفان على الشهادات الحية لكثير من الفاعلين دون التصريح بأسماء بعضهم، فأعطى ذلك قيمة للكتاب من ناحية، وفتح الباب للطعن فيه من ناحية أخرى.

لكن الكتاب يقدم خريطة واضحة لأول مرة لتنوعات وتباينات وتحولات القوى الشيعية في القطيف في تلك المرحلة، وهو ما يحتاج إلى مزيد من الدراسات والأبحاث حتى تظهر الصورة الكاملة من خلال فحص عدة رؤى لتلك الأحداث فيثبت الصحيح منها بالأدلة ويسقط الزائف منها والقائم على الدعاية وترويج الأكاذيب وتصفية الحسابات بين الفرقاء.

يقسم المؤلفان شيعة القطيف إلى:

- تيار تقليدي مرتبط بالنجف، ويقتصر على المسار الفقهي ويرفض العمل السياسي، ويسميه تيار الخوئي، لكونه المرجع الأعلى في تلك المرحلة وأكثر المراجع تقليداً في منطقة القطيف والإحساء، وهؤلاء يميلون لعدم التصادم مع الدولة.

- وتيار الشيرازيين، ويقدم الكتاب معلومات مهمة عن نشأة هذا التيار وتطوراته وتحولاته، فالسيد محمد الشيرازي كان من مؤسسي فكرة حزب الدعوة العراقي، لكنه رفض اسم (حزب) لأنه اسم غربي، وكان يؤمن بولاية الفقيه قبل الخميني، وقام طلابه بزعامة ابن أخته محمد تقي المدرسي وأخيه هادي المدرسي بإنشاء تنظيم سياسي باسم (حركة الطلائع الرساليين) عام 1968، ولما انتقل الشيرازي للكويت عام 1970، شملت مظلته مجموعة من الدعاة التقليديين بقيادة أخويه حسن وصادق، وضمت أشخاصا من عائلتي الفالي والقزويني ركزت على التبشير الشيعي، والمجموعة الحركية (الرساليين).

دخل تيار الشيرازي للسعودية من خلال بعض الطلبة السعوديين الذين درسوا في حسينية الرسول الأعظم بالكويت التي أسسها الشيرازي، مثل: توفيق السيف، وحسن الصفار، وأصبح لهم نشاط ملموس بالقطيف مما جعلهم يصطدمون بالتيار التقليدي، ثم تم إرسال الصفار للتبليغ بعُمان، كما أُرسل توفيق السيف للبنان للتدريب على السلاح في معسكرات حركة فتح.

بعد نجاح الثورة في إيران، تحمس الشيرازيون كثيرا لها، خاصة أن الشيرازي كان على علاقة قوية بالخميني، وكان يظن نفسه شريكا للخميني في الثورة، ولذلك ذهبت قيادة الرساليين لطهران وأصبح لها معسكر خاص بها تستقبل فيه الشباب الخليجي التابع لها.

قام الصفار بالإشادة بالثورة الخمينية في مجالس عاشوراء بشكل تحريضي على الدولة، ما أدى إلى صدامات مع الشرطة، فغادر الصفار إلى إيران هربا من الاعتقال، وهناك طلبت منه الحركة تأسيس منظمة الثورة الإسلامية بالجزيرة العربية.

بقي الصفار والمنظمة يقودان المعارضة ضد المملكة حتى عام 1986، حيث تم عزل منتظري الداعم لهما، وصعود خامنئي/ رفسنجاني، اللذين قلصا نشاط الحركة، وجاء تورط الحركة بفضح صفقة إيران غيت ليسرع من إجبارها على الرحيل من طهران، وكان تفرد الخميني بالقرار وإهمال الشيرازي الدافع له ليطور نظرية ولاية الفقيه إلى ولاية الفقهاء!

بعد الهجرة القسرية عن إيران حدثت مراجعات في التيار الشيرازي السعودي، فانفصلت عن حركة الطلائع الرساليين، وتحولت عن العمل الثوري إلى العمل السياسي في لندن وتغير اسمها للحركة الإصلاحية، بقيادة توفيق السيف بدلا من الصفار صاحب النزعة الفردية.

نشطت الحركة في الجانب الإعلامى والحقوقي، مما أضر بالمملكة، وجاء احتلال الكويت وبروز معارضة سنية ضد الاستعانة بالقوات الدولية، لتسرع من إنضاج الحوار بين الشيعة والدولة ويصل للعفو الملكي سنة 1993، والعودة للوطن. اندمج الصفار وتوفيق السيف في المصالحة وأصبح هذا خيارهما، وخاضا سلسلة طويلة من الحوارات واللقاءات الرسمية والشعبية والدينية، لكن فؤاد الإبراهيم وحمزة الحسن سرعان ما عادا للندن وواصلا المعارضة بسقف أقل من السابق.

بعد وفاة المرجع الشيرازي، طرح محمد تقي المدرسي وصادق الشيرازي نفسيهما مرجعين، لكن الصفار أعلن تقليده للسيستاني، وبذلك قطع الصفار علاقته الدينية بالشيرازيين كما سبق أن قطع العلاقة السياسية بالانسحاب من حركة الرساليين، وتبعه غالب التيار. ومَن بقي من الشيرازيين انقسموا بين تقليد المدرسي وصادق، وبهذا أصبح ثقل الشيرازيين محصورا في الكويت.

والذين قلدوا صادق الشيرازى بقوا في الخط التبشيري والغلو المذهبي، والذين قلدوا المدرسي أصبحوا يمثلون الخط الرافض للحوار والمصالحة مثل نمر النمر ومحمد حسن الحبيب، الذين يتبنون الضغط على الدولة من خلال تهييج الشارع ضدها.

في سنة 2008 تفجر الخلاف المكبوت بين الصفار وبين معارضة لندن (فؤاد الإبراهيم وحمزة الحسن) وطالبوا بالانفصال، وهو المطلب الذي وافقهم عليه نمر النمر ودعا إليه.

- التيار الثالث هو تيار حزب الله الحجاز، وهو يتبع فكريا لتجمع للعلماء الشيعة المقلدين للخميني مثل حسين الراضي وهاشم الشخص وعبدالكريم الحبيل، وأطلق عليه (خط الإمام)، وأصبح لهم نشاط سياسي يزاحم التيارين التقليدي والشيرازي من عام 1989، ولم ينخرط هؤلاء مباشرة في العمل العسكري.

أما الجناح العسكري فقد تكون بعد فشل اضطرابات حج عام 1987م، فأراد الحرس الثورى الانتقام، فعرض على منظمة الثورة (الشيرازية) تسليحها لهذه الغاية، لكنهم كانوا قد نبذوا العمل الثوري، فلجأ الحرس الثوري لبعض المنشقين عن منظمة الثورة والرافضين للمسار السياسي الجديد، فنفذوا بعض العمليات الصغيرة ثم كانت عمليته الكبيرة والوحيدة تقريبا تفجير الخبر سنة 1996، بقيادة أحمد المغسل، والتي تفكك الحزب بعدها. 

هذه أبرز ملامح الخريطة الشيعية بحسب الكتاب الذي في دفتيه الكثير من التفاصيل والمعلومات المهمة للباحثين عن الحراك الشيعي بالقطيف.

_PRINT

التعليقات

إضافة تعليق